حسن الأمين

332

مستدركات أعيان الشيعة

ولا عجب أن تجيد وهي سليلة بيت طلع منه الشعر والأدب « اه . آخر الذكريات قبل يومين من تاريخ كتابة هذه الذكريات كانت آخر ذكرياتي في معهد الملكة عالية ، وعند ما أقول من يومين ، فليس معنى ذلك أن تاريخ هذه الذكرى يعود إلى ما قبل يومين ، بل أن تاريخها يعود إلى سنين بعيدة ، فكم قد مضى من سنين على تركي معهد الملكة عالية ، وكم تقلبت بي الأحوال بعد مغادرتي العراق . ومع ذلك فان هذه الذكرى تعود إلى ما قبل يومين : في مطلع السنة الدراسية الثانية في معهد الملكة عالية كان عدد طالبات الانتساب إلى المعهد أكثر مما يستطيع المعهد استيعابه في الصف الأول ، لذلك تقرر تأليف لجنة تتولى غربلة طالبات الانتساب من حاملات شهادة الدراسة الثانوية . وتألفت اللجنة من ثلاثة أساتذة عراقي ومصري ولبناني هو أنا مع وجود عميدة المعهد . وعهد إلي بسكرتيرية اللجنة فكان بيدي السجل الذي نكتب فيه أسماء المقبولات . وكانت طريقتنا في الغربلة أن نطرح أسئلة عامة على الطالبة نختبر بها شخصيتها وذكاءها وعمق ثقافتها واطلاعها العام إلى أمثال ذلك . ودخلت إحدى [ الطالبت ] الطالبات فسألناها عن اسمها فقالت : م . س . ع ، ولا أريد هنا أن أصرح باسمها إذ لعلها تطلع صدفة على ما أكتبه هنا وأنا لا أريد أن تعرف حقيقة ما جرى بشأنها ، ولا بد لي من أن أقول أنها لم تكن على شيء من الجمال ، فطرحنا عليها ما شئنا من الأسئلة فإذا بها تجيب أعلى إجابة ، وإذا بها كذلك تتوقد ذكاء ، وبرزت شخصيتها القوية منذ ساعة دخولها . ولما كان في اسمها الذي ذكرته حرف ( س ) إذ أن اسم أبيها سلمان فقد ظهر أنها لا تستطيع أن تنطق ( السين ) نطقا صحيحا ، بل تلفظها وكأنها ( ثاء ) . ولما خرجت أخذت القلم لأسجل اسمها بين المقبولات بعد أن أدت ما طلب إليها أداؤه أحسن أداء ، لاعتقادي أنها ستكون مقبولة بالإجماع ، إذ كانت طريقتنا أن نقرر القبول أو الرفض بأكثرية الأصوات ، وكانت العميدة تفضل عدم الاشتراك بالتصويت وتترك لنا نحن الثلاثة أن نقرر ما نشاء ، وحتى هذه اللحظة لم تختلف آراؤنا فكانت قراراتنا بالإجماع . ولما أخذت القلم استعدادا لتسجيل اسمها اعترض الأستاذ العراقي بشدة ، وقال أن فيها عيبا يمنع قبولها وذلك أنها لا تحسن النطق بالسين نطقا صحيحا ، وهي ستغدو في المستقبل مدرسة في التدريس الثانوي وعيبها هذا سيقل من احترام الطالبات لها فيجب رفضها . وانضم الأستاذ المصري إلى الأستاذ العراقي لا لشيء إلا لأنه في رأيه الأقوى فهو ابن البلد وأنا الغريب عن البلد ، فتاييده للعراقي أضمن لمصلحته . وأصررت أنا على قبولها وقلت لهما : لقد أدت ما يطلب منها تأديته أحسن أداء ، فما ذنبها إذا كان الله قد خلق في لسانها هذا العيب ؟ ثم لمن تتركان مستقبلها وأنتم ترون أنها غير مقبولة للزواج على الأرجح ، أترميانها في الشارع وهي الذكية المثقفة أحسن ثقافة ؟ . وقلت لهما عن عيبها : أن كفاءتها ستغطي هذا العيب ، وقد كان في لسان أحد أساتذتنا في الجماعة عيب أشد من هذا العيب ، ذلك أنه وهو مسترسل في الكلام يصاب فجاة بما نسميه نحن ( الوأوأة ) إذ يعجز عن النطق وتظل شفتاه تتحركان بتصويت ( وأ ، وأ ، وأ ) ، ويستمر ذلك لحظات وأحيانا دقائق . ولكن كفاءته كانت فوق أن يؤثر عليها هذا الضعف وأقوى من أن تقلل من احترامه في نفوسنا . فلم يلتفتا لذلك وأصرا وأصررت ، وأكملنا عملنا وخرجنا ، وخرجا هما ، وهما يعتقدان بان الأمر قد انتهى وأنها رفضت باغلبية الأصوات ، وخرجت أنا وأنا مصمم على قبولها بالرغم من كل شيء ، إذ أن رفضها كان جريمة أعظم من أن يتحملها ضميري ، وكنت مستعدا للاستقالة من عملي في التدريس إذا كان لا بد من رفضها لأنني لا أقوى أبدا على أن أكتب بيدي قرار رفضها ، وصممت على تحمل مسؤولية قبولها ولو أدى الأمر إلى إغضاب العميدة . وكانت الوسيلة إلى ذلك هي أن أضع اسمها مع المقبولات وأتخذ في الحال إجراءات إعلان أسماء المقبولات مما يجعل الجميع أمام الأمر الواقع الذي لا يستطيع أحد نقضه . فأول ما فعلته أن طلبت إلى أحد الفراشين أن يعلق القائمة على باب المعهد كما هي العادة ، ثم أرسلت نسخا عنها إلى الصحف وإلى الإذاعة . وفي المساء كان المذياع يذيع أسماء المقبولات وفيهن ( م . س . ع ) ، وفي الصباح كانت الصحف تنشر أسماءهن وفيهن اسمها . ولكن ذلك لم يلفت الأستاذ العراقي فلم يسمع الإذاعة ولا قرأ الصحف ، وإنما استرعى انتباهه في الصباح رؤية القائمة معلقة على الباب فقرأها فإذا بالاسم الذي أصر على رفض قبول صاحبته موجود بين الأسماء فدخل صائحا معربدا قائلا بان هذه فوضى وعدم احترام للنظام ، ومثل هذا الكلام ، وكنت أنا أسمع صياحه مرتاح الضمير قرير العين . وكل ما كنت أحاذره هو غضب العميدة وما يجره من مشاكل ومتاعب ، ولكن تبين أن العميدة كانت في قرارة نفسها راضية عما فعلته بعد أن شهدت بنفسها كفاء ( م . س . ع ) لذلك سكتت ولم تعلن الرضا ولا أظهرت الغضب . وفي نهاية العام الدراسي وإعلان نتائج الامتحان كانت ( م . س . ع ) الأولى بين جميع الطالبات في مختلف فروع الدراسة . ومضت الأيام وكرت الأعوام ونسيت أسماء جميع الطالبات وغابت صورهن عن ذهني ، إلا اسما واحدا هو ( م . س . ع ) وإلا صورة واحدة هي صورتها وهي تستمع إلى محاضراتي في الدروس باصغاء واستيعاب . وما زالت الأيام تكر والأعوام تمضي ، وإذا بي أقرأ وأنا في بيروت قبل يومين من كتابة هذه السطور خبرا في مجلة بغدادية بان ( م . س . ع ) قد نالت الدكتوراه بدرجة جيد جدا من جامعة بغداد . وداع العراق نثرا يوم عزمي على ترك العراق كتبت في الصحف ما يلي :